محمد جمال الدين القاسمي

42

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

عطارا ولا حدادا ولا نجارا ، ولا تصح عقوده باتفاق العلماء . فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته ، ولا غير ذلك من أقواله ، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعيّ . ولا ثواب ولا عقاب . بخلاف الصبيّ المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع ، بالنص والإجماع ، وفي مواضع فيها نزاع وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى اللّه بالفرائض والنوافل ، وامتنع أن يكون وليّا للّه ، فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه وليّ للّه ، لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه ، أو نوعا من تصرف ، مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع . فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب ، لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية ، كالكهان والسحرة وعبّاد المشركين وأهل الكتاب ، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا للّه ، إن لم يعلم ما يناقض ولاية اللّه ، فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية اللّه ؟ مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ظاهرا وباطنا ، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر ، دون الحقيقة الباطنة ، أو يعتقد أن لأولياء اللّه طريقا إلى اللّه غير طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . أو يقول إن الأنبياء ضيقوا الطريق ، أو هم قدوة العامة دون الخاصة ، ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعي الولاية . فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان ، فضلا عن ولاية اللّه عزّ وجلّ . فمن احتج بما يصدر عن أحدهم ، من خرق عادة ، على ولايتهم ، كان أضل من اليهود والنصارى . وكذلك المجنون ، فإن كونه مجنونا يناقض أن يصح منه الإيمان والعبادات ، التي هي شرط في ولاية اللّه . ومن كان يجن أحيانا ، ويفيق أحيانا ، إذا كان في حال إفاقته مؤمنا باللّه ورسوله ، ويؤدّي الفرائض ، ويجتنب المحارم ، فهذا إذا جن ، لم يكن جنونه مانعا من أن يثيبه الله على إيمانه وتقواه ، الذي أتى به في حال إفاقته ، ويكون له من ولاية اللّه بحسب ذلك . وكذلك من طرأ عليه الجنون ، بعد إيمانه وتقواه ، فإن اللّه يثيبه ويأجره على ما تقدم من إيمانه وتقواه ، ولا يحبطه بالجنون الذي ابتلي به من غير ذنب فعله ، ولا قلم مرفوع عنه في حال جنونه . فعلى هذا ، فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدّي الفرائض ، ولا يجتنب المحارم ، بل قد يأتي بما يناقض ذلك ، لم يكن لأحد أن يقول : هذا وليّ للّه ، فإن هذا إن لم يكن مجنونا ، بل كان متوليها من غير جنون ، أو كان يغيب عقله بالجنون تارة ، ويفيق أخرى ، وهو لا يقوم بالفرائض بل يعتقد أنه لا يجب عليه اتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم فهو كافر ؛ وإن كان مجنونا باطنا وظاهرا قد ارتفع عنه القلم . فهذا وإن لم يكن معاقبا عقوبة